يوسف زيدان
148
رسالة الأعضاء
يصيده مستحكما ؛ وما كان غذاه من الحمأة فقط ، جعل منقاره عريضا ؛ ليكون له كالمسحاب في سحبه الطين ؛ وما كان غذاه من الأنهار والمياه التي ليس لها عمق مفرط ، فقد طوّل منقاره ورجلاه ليمكنه المشي فيها ، والتصييد مما في قعرها بطول منقاره ؛ وما كان غذاه « 1 » من عمق المياه ، فقد خلق صغير الجثة ؛ ليكون غوصه أسهل - وذلك كالبطّ الصغار - وما كان غذاه من ظاهر الماء ، فيحتاج إلى قوة في السباحة ، فقد خلق لأكثره بين أصابع رجليه غشاء ؛ ليكون دفعه الماء عند السباحة أقوى . وكل حيوان ، فإنه يحرّك عند المضغ فكّه الأسفل ، إلّا التمساح . وذلك لأنه من جملة الحيوانات الكاسرة ، ويداه تضعف عن مسك الصيد لصغرها ، فتدورك ذلك بتقوية العضو ، بأن جعل المتحرك بالإرادة عند البعض ، هو المتحرك لذلك بالطبع . وكل حيوان له رئة ، فإنه يتنفس الهواء . والسمك يمج الماء من أذنيه ، وينفذه من عرقين إلى قلبه ، ثم يخرجه ، ليعدل بذلك حارّه الغريزي « 2 » . وكل حيوان يصيح ، فله حنجرة . وكل حيوان ، فأسنانه صفّ واحد - إلّا ما قيل إن سبعا بالهند لأسنانه ثلاثة « 3 » صفوف - وكل حيوان لا أسنان له في الفك الأعلى « 4 » ، فإن لبنه ودمه يحمدان . وكل حيوان يلد حيوانا ، فله آذان خلا الدلفين « 5 » والأفعى . وكل ما له آذان ، فهو يحركها ، خلا الإنسان - إلّا أفراد منهم يحركونها - وكل
--> ( 1 ) في الأصل : خداه . ( 2 ) يقول ابن النفيس في معنى الحارّ الغريزي . الحارّ هو ذو الحرارة ، وهو الجسم الحامل لها . وهذه الحرارة مخالفة لغيرها من الحرارات بالحقيقة ، وإنما يقال لها الحرارة باشتراك الاسم . . وكلما ازدادت الحرارة الغريزية ، ازدادت الأفعال الطبيعية قوة ، وينتقل البدن إلى الشيخوخة إذا صار الحارّ الغريزي قليلا جدّا ( شرح فصول أبقراط ص 122 وما بعدها ) . ( 3 ) في الأصل : ثلاثة . ( 4 ) في الأصل : الأعلا . ( 5 ) الدلفين ( الدرفيل ) : حيوان بحري ليس في دواب البحر ما له رئة سواه ، ربما ظهر على وجه الماء كأنه ميت وهو يلد ويرضع ، ولا يلد إلّا في الصيف . ومن طبعه الأنس بالناس ، وإذا ظفر بالغريق كان أقوى الأسباب في نجاته ؛ لأنه لا يزال يدفعه إلى البر حتى ينجيه ، ولا يؤذي أحدا ، ولا يأكل إلّا السمك ( حياة الحيوان 1 / 306 ، 307 ) .